ابن بطوطة

50

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

حكاية هي سبب قتل الفقيه نظام الدين المذكور كانت الأتراك المجاورون لمدينة هرات الساكنون بالصحراء وملكهم طغيتمور ، الذي مر ذكره ، وهم نحو خمسين ألفا يخافهم الملك حسين ويهدي لهم الهدايا في كلّ سنة ويداريهم وذلك قبل هزيمته للرّافضة ، وأما بعد هزيمته للرافضة فتغلب عليهم ، ومن عادة هؤلاء الأتراك التردّد إلى مدينة هرات ، وربما شربوا بها الخمر وأتاهم بعضهم وهو سكران فكان نظام الدّين يحد من وجد منهم سكرانا . وهؤلاء الأتراك أهل نجدة وبأس ولا يزالون يضربون على بلاد الهند فيسبون ويقتلون ، وربما سبوا بعض المسلمات اللاتي يكنّ بأرض الهند ما بين الكفار ، فإذا خرجوا بهنّ إلى خراسان يطلق نظام الدين المسلمات من أيدي التّرك ، وعلامة النسوة المسلمات بأرض الهند ترك ثقب الأذن ! والكافرات أذانهن مثقوبات ، فاتفق مرة أن أميرا من أمراء الترك يسمّى تمور الطي سبى امرأة وكلف بها كلفا شديدا فذكرت أنها مسلمة ، فانتزعها الفقيه من يده ، فبلغ ذلك من التركي مبلغا عظيما وركب في آلاف من أصحابه وأغار على خيل هرات وهي في مراعاها بصحراء مرغيس واحتملوها فلم يتركوا لأهل هرات ما يركبون ولا يحلبون ، وصعدوا بها إلى جبل هنالك ، فبعث إليهم رسولا يطلب منهم ردّ ما أخذوه من الماشية والخيل ويذكّرهم العهد الذي بينهم ، فأجابوا بأنهم لا يردّون ذلك حتى يمكّنوا من الفقيه نظام الدين ، فقال السلطان : لا سبيل إلى هذا ! ! وكان الشيخ أبو أحمد الجشتي حفيد الشيخ مودود الجشتي « 111 » ، له بخراسان شأن عظيم وقوله معتبر لديهم ، فركب في جماعة خيل من أصحابه ومماليكه ، فقال : أنا أحمل الفقيه نظام الدين معي إلى الترك ليرضوا بذلك ، ثم أردّه ، فكأنّ الناس مالوا إلى قوله ، ورأى الفقيه نظام الدين اتّفاقهم على ذلك فركب مع الشيخ أبي أحمد ووصل إلى الترك فقام إليه الأمير تمور الطي ، وقال له : أنت أخذت امرأتي منّي ، وضربه بدبوسه فكسر دماغه فخرّ ميّتا ! فسقط في أيدي الشيخ أبي أحمد وانصرف من هنالك إلى بلده وردّ الترك ما كانوا أخذوه من الخيل والماشية ! !

--> ( 111 ) مودود الجشتي 537 - 633 - 1142 - 1236 ، هو في الأصل من جشت في سجستان شرقي إيران الحالية بين هرات والغور وهو مؤسس الطريقة الجشتية ، المشهورة وخاصة بالهند ، وقد ورد ذكر أحمد الجشتي في المصادر كوسيط بين غياث الدين سلطان هرات والأمير ياسوور أثناء الحوادث التي جرت عام 719 - 1319 . - خليلي الله خليلي : ابن بطوطة ، 53 / 54 / 55 - الناشران : d . s . صفحة 457 .